فوزي آل سيف
21
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
والمرحلة الثانية هي المرحلة التي شرَع فيها قادة آهل البيت عليهم السلام - بعد أنْ وضعوا التحصينات اللاّزمة وفرغوا من الضمانات الأساسية ضدّ صدمة الانحراف - ببناء الكتلة، بناء الجماعة المنطوية تحت لوائهم، الشاعرة بكلّ الحدود والأبعاد من المفهوم الإسلامي المتبنّى من قبلهم عليهم السلام، منذ زمان عليّ بن الحسين عليه السلام، وعلى زمان الإمام الباقر والصادق عليه السلام كان هذا العمل يبلغ القمّة، وليس معنى ذلك، أنّ هذا العمل الأوّل الذي كان اللبنة الرئيسية للمرحلة قد انقطع، وإنّما معنى هذا أنّ العمل الأوّل استمر، لكن حيثُ إنّ صدمة الانحراف، كان قد أمكن تقليل خطرها، خلال ما قام به الأئمّة الأربعة الأُول من جهود وتضحيات في سبيل حفظ الإسلام، وهذا يحتّم أنْ يواجه قادة أهل البيت عليهم السلام المهمّة الجديدة، مهمّة بناء الجماعة الصالحة من مجموع هذه الأُمّة، التي حصّنت بالحد الأدنى من التحصين، ولا بدّ أنْ تُنتَخبَ مجموعة من هذه الأُمّة، فيحَصَّنون بأعلى درجة ممكنة من التحصين، ويوعَّون بأعلى درجة ممكنة من التوعية، حتى تكون هذه الجماعة، هي الرائد والقائد والحامي للوعي الإسلامي الذي حصّن بالحد الأدنى. هذا العمل مارسه الإمام الباقر عليه السلام على مستوى القمّة وقلنا: إنْ هذه المرحلة استمرّت الى زمن الإمام الكاظم عليه السلام، وفي زمان الإمام الكاظم عليه السلام بدأت المرحلة الثالثة. وهذه المرحلة الثالثة: لا تحدّد بشكلٍ بارز من قِبَل الأئمّة عليهم السلام أنفسهم، بل يحدّدها بشكل بارز، موقف الحكم المنحرف من الأئمّة أنفسهم؛ وذلك لأنّ الجماعة التي نشأت في ظلّ المرحلة الثانية التي وضعت بذرتها في المرحلة الأولى، نشأت ونمَت في ظلّ المرحلة الثانية، وهذه الجماعة غزَت العالم الإسلامي، وقتئذ، وبدا للخلفاء أنّ قيادة أهل البيت عليهم السلام، أصبحت على مستوى تسلّم زمام الحكم والعود بالتجمع الإسلامي إلى حظيرة الإسلام الحقيقي، وهذا خلّف بشكلٍ رئيس ردود الفعل للخلفاء تجاه الأئمّة عليهم السلام من أيّام الإمام الكاظم عليه السلام ".[77] وقد جرى كثير من المؤلفين[78]فيما بعد على هذا الأساس حتى صار يستدل به ولا يستدل عليه. ومثل هذا الفهم والمنطلق وإن كان قد يختلف في التفاصيل والترتيب نجده في كتاب أستاذنا السيد محمد تقي المدرسى: التاريخ الإسلامي؛ دروس وعبر. فإننا نلتقي فيه مع نفس الروح الحاكمة على الكتاب كله، باعتبار أن الأئمة عليهم السلام هم أصحاب حركة رسالية تغييرية في الأمة، حيث رأى أنه " تمثلت بداية تحول الرساليين إلى حركة سياسية جماهيرية معارضة للنظام السياسي بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام في عام (61) من الهجرة النبوية فقبلئذ كانت الحركة موجودة وكان لها مظهر سياسي يتمثل في حكومة الامام علي عليه السلام ولكنه كان على نطاق محدود نسبيا موزعا في أنحاء البلاد الإسلامية. ولكن بعد استشهاد الامام الحسين عليه السلام تحول الرساليون إلى حركة جماهيرية معارضة شملت جميع المسلمين وبلا استثناء... من هنا فنحن نؤرخ للحركة الرسالية منذ عام 61 هـ ".[79] وأوضح تجل لهذه القراءة، وتفصيل لمفرداتها كان في كتابي د.الشيخ جعفر المهاجر: التاريخ السري للإمامة، والإمام الهمام علي الهادي عليه السلام، ففي الكتاب الأول أشار مؤلفه إلى أن فكرته " تدور على العمل أو النشاط المكتوم الذي قاده بالتوالي عدد من الأئمة ابتداء من سادسهم ابتغاء بناء قاعدة بشرية متحررة من تأثير المشروع الاستلابي.. إلى بناء مفهوم مختلف للإسلام يتناسب مع مراميها في حكم مستتب..".[80] وفي كيفية التأسيس لتلك القراءة مع توضيح الكاتب في المقدمة بأنه مسكون بفكرة معينة يتتبعها، ويجمع أطرافها وشتاتها يقول: "فنحن حينما نقرأ ـ مثلا ـ أن فلانًا من متقدمي أصحاب أحد الأئمة كان كلاميا حاذقا أو متحدثا ثقة، وأنه كان إلى جانب ذلك يتعاطى الصيرفة، فإن ذلك لا يلفت انتباهنا ولا يحرك فضولنا، فمن الطبيعي جدا أن يكون للمرء أيا يكن مستقر هواه واهتمامه مهنة يكسب منها الرزق، إلى جانب اهتمامه بالشأن الفكري، تأثرا بالحيوية الفكرية التي كان الأئمة يبثونها من حولهم! ولكن الأمر يختلف كثيرا إذ نلاحظ هذا العدد الجم من الصيارفة في البارزين من أصحاب هذا الإمام أو ذاك! هذا يحرك سؤالا كبيرا عند من يحسن طرح الأسئلة في محلها: ما السبب في وجود هذا العدد من الصيارفة بين هؤلاء العلماء بنحو يفوق ـ بكثير ـ النسب المتوقعة؟ والأمر نفسه يصح بالنسبة للعدد الكبير من الوكلاء للأئمة الذين كانوا مبثوثين بالعشرات في مناطق وبلدان من مشرق دار الإسلام "[81]؟
--> 77 ) الصدر؛ السيد محمد باقر: أئمة أهل البيت تعدد أدوار.. 115 (نسخة الكترونية ) والحائري، السيد كاظم: الامامة و قيادة المجتمع 1/170 78 ) نجد ذلك في سلسلة أعلام الهداية، وغيره من الكتب المتأثرة بالتصنيف المتقدم. 79 ) المدرسي؛ محمد تقي: التاريخ الإسلامي دروس وعبر / 47 80 ) المهاجر: التاريخ السري 11 81 ) المهاجر: نفس المصدر 12